مكارم الأخلاق

الخُلُق هو حالة راسخة للنفس تسبب صدور نمط معين من الأفعال بطريقة لا تكلف فيها ولا تصنع من غير حاجة إلى تأنٍّ أو تروٍّ.

والخُلُق هو عنصر من عناصر أية منظومة معنوية، مثال:

الجود هو من الصفات التي تتضمنها منظومة القيم الإسلامية ومنظومات قيم أخرى بالطبع، قد يكون خُلقا لإنسان ما، فمثل هذا الإنسان تصدر عنه أفعال بمقتضى هذه الصفة، فهي بذلك تظهر هذه الصفة التي لا يراها الناس بحكم أنها معنى أو كيان أمري.

ومن يتحلى بهذا الخلق حقا تصدر عنه الأفعال المصدقة له بطريقة تلقائية طبيعية لا تكلف فيها ولا تصنع ولا رياء ولا نفاق.

فالأخلاق هي معانٍ أو مقتضيات معانٍ من عالم الأمر، فلها من الوجود ما للكيانات الأمرية من الوجود، ولذا فلابد للخُلُق من حامل، والكائن الحامل لمعنى يقال أنه متصف به، وكذلك الأخلاق فهي المعاني التي يتلقاها كل إنسان وفق ما لديه من استعداد، هذا الاستعداد هو أصلا مقتضى ماهيته التي هي من عالم الأمر، فالإنسان لا يجتذب حال تحققه وظهوره إلا ما يوافق استعداده، فالصفات المتشابهة تتجاذب أما الصفات المتضادة فتتنافر، ولكل إنسان حظه من الصفات، وهو أيضا يضفي عليها شيئا من ذاته، وهى تدفعه إلى سلوك وتصرفات تثبت الوجود الموضوعى للصفات لديه وتظهر بها، وتلك الصفات يترتب عليها أفعال تؤدى إلى آثار تكسبه استعدادات لتلقى مزيد من الإفاضات من عالم الأمر تؤدى إلى تأكيد وتقوية الصفات التي أدت أصلا إلى الأفعال وذلك فى حلقة تغذية خلفية موجبة (Positive feedback loop)، وقلب الإنسان يستطيع أن يتذوق الصفات أو الأخلاق بالملكة الملائمة لها، ولذا فإنه قد يتلقى تأثيرات وأن يتنافر أو يتآلف مع بعض الناس دون وعى من صاحبه، وما ذلك إلا بسبب القانون الفاعل بين الصفات المشار إليه.

 والنقص الكامن في طبيعة الإنسان يؤدى إما إلى عجزه عن الإظهار الكامل للصفة الحسنة والوفاء بمقتضياتها وإما إلى ظهوره بما يضادها.

وجماع الصفات المضادة للصفات الأصلية تمثل عالم الأمر الخاص بالشيطان في مقابل عالم الأمر الخاص بالرحمن، ومن عالم الشيطان يتلقى الإنسان الصفات السيئة والأخلاق الذميمة والأوهام الزائفة والقوانين الباطلة وكل ما يؤدى إلى الضنك والشقاء في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

فالخُلُق صفة للكائن الواعي، والصفة من عالم المعاني، فلا بد لها من حامل من عالم الخَلْق، والخُلُق يتمثل في البواعث على الفعل أو القول أو السلوك فهو يُعرَف بآثاره ومقتضياته، وهو يكون كما يليق بالذات الحاملة له، فصفة الصدق مثلا تدفع الإنسان إلى أن يقول ما هو متفق مع الحقيقة التي يعرفها وأن يتفق فعله مع ما يضمره في نفسه، وهو من آثار ومقتضيات أسماء إلهية مثل الاسم "الحق" والاسم "الحق المبين".

فكل مكارم الأخلاق هي من المقتضيات المعنوية للأسماء الإلهية، والأخلاق هيئات للنفس كما أنها من لوازم ماهيتها، ولكنها تكون أولا على شكل استعداد بقدر معلوم وإنما يظهرها ويزكيها السلوك والممارسة، وعلامات رسوخ الخلق في الإنسان أن تصدر الأفعال أو الأقوال التي يقتضيها من الإنسان بيسر وسهولة، وثمة تفاعل بناء بين الخلق ومقتضياته من السلوك، فالخلق ينمو ويتزكى طبقا لآثار الفعل الاختياري الذي اقتضاه.

أما الثواب فهو الأثر الذي ينفذ إلى باطن الإنسان إذا ما كان الفعل صادرًا عن رغبته في التقرب إلى الله تعالى بالتزام أوامره، فالإخلاص شرط للانتفاع الحقيقي الجوهري بآثار الفعل، وإن اكتساب الأخلاق الحسنة لا يقتضي بالضرورة التعرف على كل تفاصيلها ودقائقها فإنه يكفى تلاوة آيات الكتاب وتدبرها وتذكرها والتحلي بالأخلاق الجامعة كذكر الله والتقوى والإحسان وحب الله ورسوله.

*******

إن الخُلُق هو الوصف أو الكيان الأمري الذي يمكن أن يُحمَّل على كائن ذي إرادة واختيار، أما حمله على ما هو دون ذلك فهو حمل مجازى، والخُلق قد يكون حسنا أو سيئا بالنظر إلى مقياس معلوم، ومكارم الأخلاق هي مقتضيات المعاني التي تشير إليها الأسماء الحسنى في الكيان الإنساني.

ومن المعلوم أن لله سبحانه إرادة خير بالإنسان تمثلت في الشرائع التي أعلن فيها مقاصده بالنسبة إليه ومنها أنه يريد أن يطهر الإنسان، وأنه يريد به اليسر، كما أنه كرَّمه واستخلفه في الأرض وفضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا، فالصفات المتوافقة مع تلك الإرادة الخاصة هي مكارم الأخلاق.

ولما كان الله سبحانه هو أصل كل حسن وكمال كان لابد لمن اتصف بما هو من مقتضيات ذلك من الانجذاب إليه والدوران في فلكه، ومن كان عمله من مقتضيات ذلك كان عمله عبادة تقربه إلى الله تعالى زلفى.

والسعي إلى الله سبحانه يؤدي إلى الاقتراب منه بمعنى الاتصاف بمزيد من صفات الكمال والإحساس العميق بحضوره الذاتي مع الإنسان، ولكن لا يمكن أبدًا لمخلوق أن يتحد به أو أن يفنى حقيقة فيه، ذلك لأنه سبحانه بعيد بقدر ما هو قريب، فهو مع الإنسان أينما كان، كما أنه هناك في السماء بمعنى أنه في اللاتناهي المطلق غير المقيد أو المحدود، لا بمعني أنه مقيم هناك في مكان اسمه السماء كما يتصور الجهلة والمشبهون من المغضوب عليهم والضالين، والسعي إليه سبحانه هو الذي يؤدى إلى الإشباع التام الشامل الحقيقي لكل متطلبات الكيان الإنساني، وكل تصور بخلاف ذلك لن يجلب على الإنسان إلا الدمار والبوار.

*******

إن الأخلاق الكريمة هي مقتضيات الأسماء الحسنى من المعاني والصفات في نفس الإنسان؛ فالرحمة من مقتضيات الاسم الرحيم والرأفة من مقتضيات الاسم الرؤوف والكرم من مقتضيات الاسم الأكرم والعزة من مقتضيات الاسم رب العزة والطهارة والنقاء من مقتضيات الاسم القدوس والحكمة من مقتضيات منظومة الحكمة من الأسماء مثل الحكيم والحكيم العليم والعليم الحكيم وأحكم الحاكمين .....

ولقد فصَّل القرءان المقتضيات السلوكية لكل خلق كريم، فمن الأسماء مثلاً الاسم الرب ومن مقتضياته لدى الإنسان إخباته لرب العالمين وقيامه بمقتضيات الاستخلاف في الأرض، ومن تفاصيل ذلك إحساسه بالتبعة والمسؤولية عمن يعول وكذلك عن أمته بل عن الناس أجمعين بل عن كل دواب الأرض.

رووا أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وهي مروية ذات أصل صحيح لاتساقها التام مع القرءان الذي جاء فيه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4]، فمن البديهي أن من هو عَلى خُلُقٍ عَظِيم هو المنوط به إتمام وتفصيل مكارم الأخلاق.

*******

إن الدين الخاتم الكامل يتضمن أسمى وأكمل منظومة من منظومات السمات والأخلاق والقيم والسنن والسلوكيات، فالحديث بيان لما ورد في الآيات: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}المائدة3، {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}الأنعام115، {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}المائدة6.

*******

تتضمن المنظومة الأمرية الرحمانية مكارم الأخلاق، والتحلي بمكارم الأخلاق هو من مقومات الإنسان الفائق، والخُلُق هو صفة يترتب عليها بالضرورة سلوك خارجي، وتلك الصفة تكون حسنة إذا كانت من آثار ومقتضيات الأسماء الحسنى، وتكون ذميمة إذا كانت مترتبة على نقص ذاتي في طبيعة الإنسان.

ومكارم الأخلاق تشمل كل خلقٍ بيَّـن الله سبحانه في الكتاب أنه يحب المتصف به أو أثنى على المتصف به أو أعلن أنه من الأخلاق اللازمة لعباده الأخيار أو جعله من أركان البر أو وبشَّر المتصف به بالجنة، والنقص أمر عدمي.

فالإنسان الذى يجاهد لاكتساب الأخلاق الحسنة إنما يُغلِّب جانب الكمال على جانب النقص وجانب الوجود على جانب العدم وجانب الرحمن على جانب الشيطان وجانب النظام وما يتضمنه من قوانين وسنن على جانب الفوضى والتحلل، لذلك كان حقًّا على الله أن ينصره، فالخلق الحسن هو من آثار الأسماء الحسنى أو من مقتضياتها أو هو الوصف الإنساني اللازم للقيام بحقوق الأسماء، ومن أمهات الأخلاق الحسنة:

1- الإيمان بالله تعالى وبكل ما له من الأسماء الحسنى والسمات والشؤون والأفعال والسنن.

2- الولاء المطلق لله تعالى وشدة الحب له والهيبة منه والأنس به والتوكل التام عليه وتفويض الأمور إليه واللواذ به والالتجاء إليه والثقة به والفرار إليه والاعتصام به، وكل ذلك من تفاصيل التقوى.

3- الاعتصام بحبل الله المتين وهو القرءان الكريم وإجلاله وتعظيمه وتدبر آياته وتلاوته واتخاذه إماما.

4- حب الرسول والتأسِّى به ومعرفة فضله والصلاة عليه والتمسك بكل ما ثبت نسبته إليه وتوقيره وحب أهل بيته والسابقين الأولين الذين زكاهم بنفسه.

5- الإيجابية، وهي خلق يستلزم بيانًا خاصا، ذلك لأن إهمالها كان من الأسباب التي أودت بتلك الأمة:

إن الإيجابية من أمهات الاخلاق الاسلامية اذ هي من مقتضيات الأسماء الإلهية التأثيرية، وهى من الصفات التي تؤدى إلى إظهار أكبر قدر من الكمالات، ولذا فإن من يقدم على الفعل وقد يخطئ أو يذنب ثم يتوب ويستغفر أفضل من الذى يتهيب الفعـل مخافة الخطأ، ولقد تم التعبير عن الإيجابية في الكتاب بمقتضياتها ولوازمها وتفاصيلها، فهي الخلق الكامن وراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والصدع  بالأوامر الإلهية والأخذ على أيدي الظلمة ومقاتلة أهل البغي، والقتال في سبيل الله والمستضعفين في الارض والقتال لرد العدوان ودرء الفتن وكف بأس الذين كفروا.

ولذا فالمسلم مطالب بإبداء ردود الفعل المناسبة تجاه كل واقعة او حدث يمر به، وليس له أن يتخذ موقفًا محايدا من الوقائع والأحداث، وليس له ألا يبالي بها ولو كانت لا تمسه بطريقة مباشرة، فإن عزَّ عليه أن يكون إيجابياً على المستوى الظاهر فلا أقل من أن يكون كذلك على المستوى الباطن، كما أن عليه ألا يجعل من مقتضيات ضعفه قواعد دينية يلزم بها غيره.

والانسان مطالب باستخدام ملكاته وقدراته والانتفاع بها واستثمارها إلى المدى الاقصى، وهكذا كان شأن الجيل الذي رباه الرسول، فلقد بلغت الايجابية عندهم ذروة رفيعة، فحققوا كل ما نيط بهم من مهام وكانوا خير أمة أخرجت للناس، وكذلك كان شأن النبيين من قبل فطلبوا الملك والوظائف الرفيعة والذرية، فالاستخدام السليم للملكات هو العبادة اللائقة بتلك الملكات وإعمالها والانتفاع بها هو أداء حق شكرها والتسبيح بحمد ربها، وهو أيضا الوسيلة إلى المزيد من المعرفة بالأسماء الحسنى ومقتضياتها، هذا إذا لم ينشغل الإنسان بالأشياء عن خالق الأشياء، ولذا فإن الأمر بالقناعة والرضى والاكتفاء بما هو متاح إنما هو في متاع الدنيا القليل، وهذا الأمر إنما هو لمن يخشى على نفسه الافتتان بالأشياء، أما أصحاب المراتب العليا فلا يضرهم إقبال الدنيا.

ولقد كان الرسول الأعظم هو المثل الأعلى في الإيجابية والفعالية ولقد دانت له الدنيا وأتته منقادة ولكنه كان يتصدق ويجود بكل ما يأتيه من مال ويستخدمه لصالح الدعوة، ولقد اختار ان يكون عبدا رسولا لا ملكا رسولا حتى يكون الاسوة الحسنة لأمته ولكي يضرب المثل للقرن الذي رباه والذي كان يخشى عليه فتنة الدنيا.

إنه يجب على المؤمن الحكيم إيثار الباقي على الفاني والكثير على القليل والأمور الكلية على الأمور الجزئية والأمور الجوهرية على الأمور العارضة والأمور الألطف على الأمور الأكثف والأفكار والقيم على الأشخاص والأشياء.
وكذلك يجب إيثار الإنسانية العالمية على العصبية الجاهلية والأمور الوجودية على الأمور العدمية والحق على الباطل والسعادة الدائمة على السعادة العابرة، وكل ذلك في حقيقة الأمر هو عين التحقق بالحكمة كخلق وسلوك أي من حيث أنها حسن تقدير الأمور، كما أن الاستكثار من الأمور الأحق بالإيثار هو أمر لازم كي يتحقق الإنسان بكماله المنشود.
وبالتالي لم يرد ذكر للزهد في الكتاب، ولم يمتدح الكتاب أبدًا الزهد أو الزاهدين، وإنما وردت الحكمة وهي تغنى عنه تماما، أما الزهد بالمعني المعلوم والذي أودى بالأمة فإنما تلقاه المسلمون عن الرهبان والهندوس.

*******

إن مكارم الأخلاق هي مقتضيات المنظومة الرحمانية (منظومة الأسماء الحسنى) في النفس الإنسانية السوية، أي هي مقتضيات الأسماء الإلهية في عالم القيم والمعاني والسمات، ولقد زعم الأصوليون والمقاصديون أن التحلي بمكارم الأخلاق من التحسينيات أي إنها عندهم في المرتبة الثالثة بعد الضروريات والحاجيات، ألم يقرؤوا قوله تعالى: {وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} أو قول رسوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"؟

والحق هو أن التحلي بمكارم الأخلاق هو من لوازم المقصد الديني الأعظم الثاني وهو إعداد الإنسان الصالح المفلح الفائق، وهذا المقصد هو واسطة عقد المقاصد، وبتحققه يمكن الحفاظ على الضروريات والحاجيات.

*******

الإمام  حسني أحمد المتعافي

     


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة