سورة يوسف الآية 2:6
إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ (2) نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (3) إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ (4) قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
في هذه الآيات دعوة إلى إعمال العقل، فنزول القرءان على العرب آنذاك بإعجازه اللغوي كان دعوة إلى إعمال العقل والتفكر. وحتى في هذه الأيام، التفكر في نزول القرآن الكريم باللغة العربية هو دعوة لإعمال العقل، سواء من العرب أو من العجم، لما تتميز به اللغة العربية من سمات جعلتها حية، فكل لغات الأرض المعاصرة الآن لم تكن موجودة حين نزول القرآن الكريم. الخطاب في هذه الآيات موجه إلى سيدنا محمد ﷺ، يخبره رب العزة أنه يقص عليه أحسن القصص بما أوحى إليه هذا القــرءان، مؤكدًا أنه قبل نزول الوحي كان من الغافلين. وهذا يعطينا قاعدة مهمة: أن ما قبل القــرءان غفلة، وما قبل الحق ضلال.
أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ:
· لِما فيها من وحدة موضوعية؛ فالقصة كاملة في سورة واحدة، وهذا لم يتكرر مع أي قصة أخرى من قصص القرآن الكريم.
· بيان المنهج القرآني في الأسماء الحسنى، مثاني أو أسماء مفردة، ومقتضياتها في التجلي على الإنسان، وكذلك الأفعال الإلهية.
· القصة نموذج واضح على أن آيات القرآن حياة، وليست للتلاوة فقط.
في قصة يوسف عليه السلام، يخبرنا القــرءان عن رؤياه التي قال فيها: "إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين". وهنا – كما قال الدكتور حسني المتعافي – فإن ما تحقق هو تأويل الرؤيا لا صورتها الحرفية؛ إذ اجتباه الله وعلّمه من تأويل الأحاديث، وأتم نعمته عليه، ومكّنه في الأرض، وآتاه من الملك، وكان به لطيفًا.
لكننا نلحظ أن يعقوب عليه السلام حذّر ابنه يوسف من أن يقص رؤياه على إخوته، مخافة أن يكيدوا له، وذكّره بأن الشيطان للإنسان عدو مبين. هذا التحذير العميق يربط بين كيد البشر وكيد الشيطان، فصراع يوسف لم يكن مع إخوته فحسب، بل مع الشيطان وجنده. كما أن السجود للإنسان – في سياق الابتلاء – كان قد ظهر في قصة أبينا آدم عليه السلام، فلما رفض إبليس السجود طُرد من الجنة، أما من نجح في هذا الابتلاء فقد اجتباه الله كما اجتبى آدم ثم تاب عليه وهداه: "ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ" (طه: 122).
تنبيه يعقوب ليوسف عليهما السلام
قال تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾.
في هذا التنبيه يظهر وعي يعقوب عليه السلام بخطر الشيطان وجنوده، وأن الصراع الذي سيلقاه يوسف عليه السلام هو ابتلاءٌ يبدأ بالكيد المعنوي قبل أن يتطور إلى الأحداث الكبرى في قصته.
كما أن الحوار بين يوسف وأبيه يعكس برّ الابن بأبيه، وبرّ الأب بابنه، وفيه دور المعلّم الذي يكشف للتلميذ دلالات الرؤيا ويحذّره مما قد يفعله إخوته قبل أن يحدث. وهذا الحوار يبرز العلاقة الوثيقة بين العبد (يوسف) وربه العليم الحكيم
الاجتباء بعد الابتلاء
قال تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَعَلَىٰٓ آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْحَٰقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (يوسف: 6).
هذه الآية الكريمة تلخّص مراحل ثلاث:
الاجتباء: اصطفاء العبد وملاحقته بالعناية الإلهية.
التعليم: إكسابه العلم والفهم، ومنها تأويل الأحاديث.
إتمام النعمة: بلوغ الفتح المبين، كما تمّ على إبراهيم وإسحاق من قبل.
العلاقة بين إتمام النعمة والفتح المبين
في سورة الفتح، يبيّن الله مقتضيات هذا الإتمام:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسْتَقِيمٗا (2) وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمْۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا (4)﴾.
يتضح من التدبّر أن إتمام النعمة مرتبط بالفتح المبين، وأنه يتضمّن: المغفرة، والهداية للصراط المستقيم، والنصر العزيز، وإنزال السكينة في القلوب.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: العليم الحكيم هو المربّي لسيدنا يوسف عليه السلام، وهو الاسم الرئيس في سورة يوسف.
الاسم "العليم الحكيم" من المثاني التي أوتيها سيدنا يوسف عليه السلام.
وقد ورد ذكر "المثاني" في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: 87].
ويعرّف الإمام الدكتور حسني المتعافي المثنى بقوله:
" المثنى هنا هو اسم من الأسماء الحسنى يعبرُ عن سمة واحدة لا يمكن التعبيرُ عنها إلا بكلمتين من كلمات اللسان العربي، والكلمتان واردتان بترتيب معين في القرءان، هذا الترتيب من أسس المثنى مثله مثل اللفظين المتضمنين فيه، ويجب الالتزام به.
والمثنى يُلتَمسُ معناه ودلالاته ووظائفه أولاً من الآيات القرءانية التي ورد فيها ومن معاني الكلمتين المتضمنين فيه، ثمَّ من معاجم اللغة إذا استلزم الأمر."
وللإمام الدكتور حسني المتعافي مقالة قيمة عن سيدنا يوسف عليه السلام، تضم بيانًا لمعاني ودلالات الاسم "العليم الحكيم" في سياقه القــرءاني نوردها كاملة
https://dr-hosnyelmotaafy.blogspot.com/2016/07/blog-post.html
المثانى الخاصة بيوسف عليه السلام
إن المثنى الرئيس الذي أوتيه يوسف عليه السلام هو الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وذلك بمعنى أن هذا الاسم هو الذي كان يتولى كافة شؤونه لوجود استعداد في ماهيته لذلك، ولقد أدرك يعقوب عليه السلام ذلك وعرَّفه به عندما قصَّ رؤيته عليه، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}يوسف6، وقال الله سبحانه على لسان يوسف عليه السلام عندما تمت أحداث قصته:
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}يوسف100.
وذلك الاسم يعبِّر عن سمة واحدة تفصيلها العلم المقترن بالحكمة مع التقدم والأسبقية للعلم، ولذا فإن من مقتضيات ذلك الاسم إدراك الحكمة في الأمور باستخلاصها من الكثير من التفاصيل، ومن مقتضياته أيضاً علم التأويل وهو لا يتعلق بالرؤى المنامية فقط بل بكل ما ظهر وتحقق من الوقائع والأمور، فمن تولاه الاسم الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ يستطيع أن يستخرج الحكمة من كل الوقائع الجزئية ومن الأحاديث، ومنها أحاديث الناس العشوائية، وكأنه يستمع إلى ربه يخاطبهم من بينهم وعلى ألسنتهم.
ومن مقتضيات هذا المثنى أيضا اللطف في التدبير بإخفاء النعمة في ثوب النقمة واستدراج الناس إلى ما فيه الخير لهم، ويظهر ذلك في قصة يوسف عليه السلام فقد كان تآمر أخوته عليه وإلقاؤه في الجب وبيعه بيع الرقيق وإلقاؤه في السجن؛ كل ذلك كان سبباً في توليه منصب عزيز مصر ثم ملك مصر، وإقرار أخوته بأفضليته عليهم، وكذلك ظهر ذلك في تصرف يوسف عندما جعل السقاية في رحل أخيه فظهر أخوه بذلك في صورة السارق واحتفظ به إلى جانبه، وكان كل ذلك سبباً في نجاة عائلة يعقوب من شظف العيش وجفاف البادية وهجرتهم إلى مصر البلد الآمن الموصوف بأنه ذو جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، وتجري من تحت ملوكه الأنهار.
ومن مقتضيات هذا الاسم الظهور بالعلم والتحلي بالجمال والظهور بسمات الكمال، ولذلك كان يوسف عليه السلام آية في الحسن، ولذلك أيضاً كان يبادر بإظهار ما أوتيه من علم وما خُصَّ به من مكارم دون تحفظ مما أثار حفيظة أخوته عليه في حين أن من يتولاه الاسم الحكيم العليم يميل إلى الخفاء وكتمان حاله ولا يبدي ما لديه من كمالات إلا بقدر معلوم هو ما تقتضيه الحكمة وتمليه طبيعة الأحوال كما كان شأن الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ.
وقصة يوسف عليه السلام بكاملها هي بييان وتفصيل للمثنى "العليم الحكيم"، وبه بدأت وبه خُتمت، فتلك القصة هي في مجملها شرح وتفصيل لمقتضيات هذا الاسم على مستوى تدبير الوقائع والأحداث، فاللطف في التدبير إذن هـو من مقتضـيات ذلك المثنى، ولذا كان الاسم اللطيف من تجلياته، قال تعالى على لسان يوسف عليـه السلام: {... إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }يوسف100.
وليوسف عليه السلام أيضاً المثني "السميع العليم" والمثنى "الغفور الرحيم"، قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }يوسف34، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }يوسف53.
ومن أوتي المثنى "السميع العليم" يظهر للناس رجاحة عقله وحلمه وحسن تدبيره، ويقرون له بذلك وينتفعون به فينجح معهم، ويحقق المهام المنوطة به.
تعليقات
إرسال تعليق